ابن كثير
303
البداية والنهاية
موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الاسلام ، قال وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقف على نصارى الشام ، يحدث : أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس ، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك ؟ قال ابن الناطور : وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم ، فقال لهم حين سألوه : إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمم ؟ قالوا ليس يختتن إلا اليهود ولا يهمنك شأنهم ، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود ، فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان فخبرهم عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما استخبره هرقل قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن ، وسأله عن العرب فقال هم يختتنون ، فقال هرقل ، هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب إلى صاحب له برومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى حمص فلم يرم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وهو نبي ، فآذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت . ثم اطلع فقال : يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم ؟ فتتابعوا لهذا النبي ، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال : ردوهم علي . وقال : إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت ، فسجدوا له ورضوا عنه . فكان ذلك آخر شأن هرقل . قال البخاري : ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري . وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها . وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الزهري . وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ولله الحمد والمنة . وقال ابن لهيعة : عن [ أبي ] ( 1 ) الأسود عن عروة قال : خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش ، وبلغ هرقل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعلم ما يعلم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه ، يأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه ، فأرسل إليه ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان بن حرب ، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها ، فقال هرقل : أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ما أمره ؟ قالوا ساحر كذاب وليس بنبي ، قال : فأخبروني من أعلمكم به وأقربكم منه رحما ؟ قالوا : هذا أبو سفيان ابن عمه وقد قاتله ، فلما أخبروه ذلك أمر بهم فأخرجوا عنه ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره ، قال أخبرني يا أبا سفيان ؟ فقال هو ساحر كذاب ، فقال هرقل : إني لا أريد شتمه ولكن كيف نسبه فيكم ؟ قال هو والله من
--> ( 1 ) من البيهقي في روايته عن عروة